الشيخ محمد الصادقي

202

التفسير الموضوعى للقرآن الكريم

« الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ » عنوان مشر يشير إلى هؤلاء اليهود ، ورأس زاوية الضلال فيهم هو العنوان الذي يشير إليهم - اتخذوا العجل - بما لهم من كافة السيئات والنكبات بدء ختم . إذاً ف « سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا » ليست لتنافي توبتهم عما عبدوا العجل : « وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ » ( 2 : 54 ) . إذ إن توبتهم هذه مهما كانت مقبولة فليست لتردع عن حاضر الغضب والذلة في الحياة الدنيا ، لعمق الجريمة المحتاجة إلى كفارة كمثل « فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ » ولسائر الجرائم المتواصلة منهم من تكذيب آيات اللَّه ، وتقتيل أنبياء اللَّه ، وقلب وتحريف أحكام اللَّه . إذاً فقد « ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ » ( 2 : 61 ) و « ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ » ( 3 : 112 ) . كما « وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ » ( 7 : 167 ) ذلك ، والعذاب قد يكون مثناه دنياً وعقبىً ، أم في الأولى دون الأخرى أم في الأخرى دون الأولى ، أم لا عذاب فيهما ، وأقل العذاب للذين اتخذوا العجل هو « غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا » . أجل « إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ » أم تابوا ولكنهم استمروا في سائر الضلال والإضلال ، ولا أقل من أنهم « سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا » فإنهم تختصهم اللعنة بين سائر الملعونين : ( 5 : 60 ) ولقد « فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ » ( 2 : 90 ) أن كذبوا بما كانوا به يستفتحون على الذين كفروا : « وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ » ( 2 : 89 ) . ذلك ، وبوجه آخر قد تعني « إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا . . . » حكايةَ حال الماضي أنه تعالى قرر وقدر عليهم نيل الغضب والذلة ، وكما نراهم مستمرين عليهم منذ بداية تأريخهم المنحوس .